محمد بن جرير الطبري

101

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الكوفة : المعنى والله اعلم : لأقعدن لهم على طريقهم ، وفي طريقهم ؛ قال : وإلقاء الصفة من هذا جائز ، كما تقول : قعدت لك وجه الطريق ، وعلى وجه الطريق ؛ لأن الطريق صفة في المعنى يحتمل ما يحتمله اليوم والليلة والعام ، إذ قيل : آتيك غدا ، وآتيك في غد . وهذا القول هو أولى القولين في ذلك عندي بالصواب ، لأن القعود مقتض مكانا يقعد فيه ، فكما يقال : قعدت في مكانك ، يقال : قعدت على صراطك ، وفي صراطك ، كما قال الشاعر : لدن بهز الكف يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب فلا تكاد العرب تقول ذلك في أسماء البلدان ، ولا يكادون يقولون : جلست مكة وقمت بغداد . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى قوله : لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من قبل الآخرة ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ من قبل الدنيا ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من قبل الحق ، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل الباطل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يقول : أشككهم في آخرتهم ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ أرغبهم في دنياهم وَعَنْ أَيْمانِهِمْ أشبه عليهم أمر دينهم ، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أشهى لهم المعاصي . وقد روي عن ابن عباس بهذا الإسناد في تأويل ذلك خلاف هذا التأويل ، وذلك ما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني من الدنيا ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ من الآخرة ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من قبل حسناتهم ، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل سيئاتهم . وتحقق هذه الرواية الأخرى التي : حدثني بها محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : شي أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ قال : ما بين أيديهم فمن قبلهم ؛ أما ومن خلفهم فأمر آخرتهم ؛ وأما عن أيمانهم : فمن قبل حسناتهم ؛ وأما عن شمائلهم : فمن قبل سيئاتهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الآية ، أتاهم من بين أيديهم ، فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار ، ومن خلفهم من أمر الدنيا ، فزينها لهم ودعاهم إليها ؛ وعن أيمانهم : من قبل حسناتهم بما هم عنها ؛ وعن شمائلهم : زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها ، أتاك يا ابن آدم من كل وجه ، غير أنه لم يأتك من فوقك ، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله . وقال آخرون : بل معنى قوله : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من قبل دنياهم ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ من قبل آخرتهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، في قوله : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ قال : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من قبل دنياهم ؛ وَمِنْ خَلْفِهِمْ من قبل آخرتهم . وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من قبل حسناتهم ، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل سيئاتهم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن الحكم : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ قال : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من دنياهم ؛ وَمِنْ خَلْفِهِمْ من آخرتهم ؛ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من